نهج الدباغين ، الشارع الذي يعشقه هواة المطالعة في تونس ..
نهج الدباغين ، الشارع الذي يعشقه هواة المطالعة في تونس ..
الوطن العربى اليومية - تونس ، كتب : خالد جبار ..
حين تتجول في (نهج الدباغين) بقلب العاصمة التونسية يمتلكك إحساس وكأن الزمن يعود بك إلى الوراء وتحديدا إلى النصف الأول من القرن العشرين. إذ انه من الطبيعي أن تجد على أرصفة هذا الشارع مطبوعات من الجرائد الأولى التي درست عنها في فصل مادة التاريخ بالمدرسة كصحيفة العمل المتحدثة باسم (الحزب الدستوري) الذي أسسه أول رئيس تونسي الحبيب بورقيبة. ويحتل (نهج الدباغين) مكانة خاصة لدى التونسيين وخاصة هواة المطالعة والكتب القديمة منهم حيث تعرض على أرصفته في تجربة تكاد تكون فريدة بالعالم العربي مخطوطات وكتب وصحف ومجلات قديمة تأتي على جميع المواضيع والاختصاصات من المطبوعات المدرسية والأكاديمية إلى فنون التجميل والطبخ والرياضة وحتى الفيزياء والكيمياء والخرائط. وفي هذا السياق قال الباحث في التراث التونسي عبد الستار عمامو في حوار مع وكالة الأنباء الكويتية (كونا) إن (نهج الدباغين) استمد اسمه من الوظيفة التي كان يحتضنها حيث كان يضم محلات دبغ الجلود. وأضاف عمامو “بما أن هذه الصناعة كانت تعتبر من الصناعات الملوثة فقد اختير موضعها خارج المدينة العتيقة إلا أنه وبعد اندثار الدباغة فإن العاملين فيها تحولوا الى التخصص في بيع الكتب القديمة مهما كانت لغاتها ومواضيعها ومكان نشرها”. وأوضح أن هذا الشارع موجود خارج أسوار المدينة العتيقة التي بناها العرب في القرنين الثامن والتاسع ميلادي مشيرا إلى أن “موقع (نهج الدباغين) يعكس فكرا معماريا راقيا وعناية بالبيئة حيث أقيم خارج أسوار المدينة نظرا لأن دبغ جلود الحيوانات يتطلب مساحات مفتوحة ومصانع ويخلف روائح كريهة وأوساخا لذا اختار مؤسسو المدينة العتيقة إبعاده عن منازل المدنيين داخل الأسوار”. وأشار عمامو إلى أنه مع التوسع العمراني في العاصمة تونس خلال القرنين 18 و19 اكتسب (نهج الدباغين) أهمية جغرافية حيث أصبح صلة الوصل بين المدينة العتيقة داخل الأسوار والبنايات والمحال الحديثة أو ما يطلق عليه التونسيون (باب البحر) مؤكدا أنه منذ أربعينيات القرن الماضي ساهم الاستعمار الفرنسي في تحويل هذا الشارع إلى مركز ثقافي مخصص في عرض الكتب ولاسيما المستعملة منها في محاكاة لتجربة (نهر السين) بباريس الذي تتواجد على ضفافه محال و”أكشاك” لبيع الكتب. وشدد على أن (نهج الدباغين) والمنطقة المحيطة فيه لعبا دورا ثقافيا متميزا خصوصا مع تواجد عدد من قاعات السينما ودور المسرح والمطابع “فتحولت هذه المنطقة الفاصلة بين (المدينة العتيقة) و(باب البحر) إلى مركز ثقافي يقدم مختلف أنواع الفنون والمطبوعات والكتب”. ولفت إلى أن الشكل الجغرافي ل(نهج الدباغين) ساهم في نجاح تجربة عرض وبيع الكتب “التي تكاد تكون فريدة في العالم العربي فهو شارع عريض مقارنة بشوارع المدينة العتيقة وطويل ومستقيم حيث لا يتضمن أي تعرجات ما سهل على البائعين عرض الكتب وترتيبها على قارعة الطريق”. واعتبر عمامو “(نهج الدباغين) شارعا متميزا ويحتل مكانة خاصة لدى كل مرتاديه فهو يعرض مختلف أصناف الكتب من الأدبية والفلسفية إلى العلمية مرورا حتى بكتب الطبخ والرياضة والمطبوعات المتخصصة .. هو بعبارة أخرى ظاهرة ثقافية صحية تلبي جميع الأذواق ولا تقتصر على المثقفين أو الأكاديميين فقط”. لكنه لفت الى أن هذا الشارع وعلى أهمية الدور الثقافي الذي يلعبه حيث يوفر كتبا انتهت طبعاتها لا يحظى بالعناية اللازمة من قبل السلطات التي عليها أن تدعم هذه التجربة وتشجع أصحاب المكتبات على مواصلة نشاطهم وتمنع بيع أي منتج غير الكتب في هذا الشارع” في إشارة إلى “المطاعم ومحلات الأقمشة التي بدأت تتسلل ل(نهج الدباغين)”. من جانبه اعتبر الصحفي التونسي رمزي حفيظ (نهج الدباغين) “ذاكرة تونس الورقية للتعليم والأدب والفكر” موضحا أنه “تعرض في هذا الشارع كتب من مختلف الأنواع والاختصاصات وحتى مجلات الموضة والطبخ وكبريات مراجع الفكر والفلسفة والفقه الديني”. وأكد حفيظ ل(كونا) أن “(نهج الدباغين) يحتل مكانة خاصة لدى هواة المطالعة .. إنه يذكرني بسنوات الدراسة الأولى حيث تجد فيه كتب التعليم التي اندثرت من المكتبات الرسمية.. إنه قبلة عشاق كلاسيكيات الكتب يجدون فيه ضالتهم من المطبوعات النادرة”. ولئن استبسل (نهج الدباغين) في المحافظة على مكانته في نفوس هواة الكتب والمطالعة إلا أن مختلف مرتاديه يؤكدون أنه يواجه منافسة قوية من المكتبات الراقية والوسائل التكنولوجية الحديثة كما أنه يعاني إهمالا واضحا من قبل السلطات الرسمية التي غضت بصرها عن بعض الأنشطة التي تسللت الى الشارع كالمطاعم ومحال بيع الأقمشة ما جعل أصحاب المكتبات القديمة يتصدون وحيدين لمعركة المحافظة على (نهج الدباغين) لبيع الكتب القديمة والجديدة.
هذا الموضوع قابل للنسخ .. يمكنك نسخ أى رابط من تلك الروابط الثلاثة ولصقه بصفحاتك على المواقع الإجتماعية أو بموقعك
URL: HTML link code: BB (forum) link code:


